زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري

33

فتح الباقي بشرح ألفية العراقي

المبحث الخامس : الدراسة العروضية ل - " التبصرة " نظم الحافظ العراقي ألفيته هذه على بحر الرجز ووزنه : مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ . . . مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ وهو بحرٌ كثيرةٌ أوزانُهُ ، متعددةٌ ضروبُهُ ، واسعةٌ زحافاتُهُ وهو عَذبُ الوزن واضحه ؛ إذ هُوَ من البحور ذات التفعيلة الواحدة مكرَّرُها ، كَمَا أن في كثرة زحافاته مجالاً لإرادة التصرف في الكلام ، وسعةً في إقامة الجمل ؛ إذ ليس بمستطاعٍ لشاعر الإتيان بثلاثة مقاطع قصيرة متتابعة في غير ( مُتَعِلُنْ ب ب ب - ) إحدى أشكال تفعيلة الرجز ( مستفعلن - - ب - ) ، فضلاً عن أشكال ( مُسْتَفْعِلُنْ ) الأخرى مثل : ( متفعلن ب - ب - ) و ( مُسْتَعِلنْ - ب ب - ) و ( مُسْتَفْعِلْ - - - ) . . . الخ . وهذا من غَيْر شكّ تارك للناظم الفرصة واسعة في النَّظْم والتصرف في التعبير بحسب متطلبات المَعْنَى ، ولَمَّا كَانَ النظم في المتون العلمية في مسيس الحاجة لهكذا سعة في الجوازات ، رُئِي أكثرها منظوماً عَلَى هَذَا البحر ، هَذَا الأمر الذي أفاد مِنْهُ الحافظ العراقي في نظمه للتبصرة فجاءت عَلَى هَذَا البحر بكل أشكاله وتفعيلاته ، بل لا يكاد بيت يشبه سابقاً له أو لاحقاً في وزن أو ضرب لكثرة ما أفاده من هذا التعدد في أشكال البحر ، فقد جاء ضرب البيت الأول ( مُسْتَعِلُنْ - ب ب - ) ، والثاني ( مَفْعُوْلُنْ - - - ) ، والثالث ( مُتَفْعِلُنْ ب - ب - ) ، والرابع ( فعولن ب - - ) ، والخامس ( مُسْتَفْعِلُنْ - - ب - ) وهكذا دواليك ، هذه الإفادة من الحافظ تركت له الفرصة واسعة للتعبير على حساب الجمال الصوتي والتناسب بين الأبيات ، فقد جاءت بعض الانتقالات بين هذا الشكل أو ذاك قوية ثقيلة تركت تبايناً صوتياً واضحاً في أذن المستمع ، وإن كان مثل هذا مغتفراً في المتون العلمية ، إذ ليس من وَكْدِ الناظم فيها جمال الإيقاع بقدر تحقيق الدقة العلمية في وزن صحيح مقبول . وعوداً إلى بحر الرجز وما يحققه من سعة في التصرف ضمن القالب الشعري ، فإنّ التقفية الداخلية المستعملة في المتون العلمية تعدّ شكلاً آخر من أشكال الحرية في صياغة العبارة العلمية في قالب شعري ، فالقافية التي طالما كانت شكلاً لازماً في القصيدة العربية